زينب فواز العاملي

32

معجم أعلام النساء ( الدر المنثور في طبقات ربات الخدور )

ويباحثونها فيما تعلمته ويحثونها على درس ما لم تتعلمه ، فلم تكثر عليها السنون حتى بلغت قوى عقلها مبلغا قلما تدركه العقول في سنها ، ولم تجئ عليها السنة الخامسة عشرة حتى شرعت في التأليف واشتدّ حبها للعلماء والعظماء فكان قلبها ينبض شديدا عند رؤيتهم ، وصيتهم يستفزها إلى مجاراتهم ومسابقتهم . ولما بلغت عشرين سنة من عمرها شاع ذكرها في الآفاق وانطلقت الألسنة بوصفها تزوجت بسفير أسوج في فرنسا واسمه روستايل سنة 1786 م فانفتح أمامها باب السياسة ، وكانت في بداية عمرها تعتبر فلسفة جان جاك روسو اعتبارا عظيما ، ولما ابتدأت الثورة الفرنساوية وكان أبوها قد اتخذ حزب الثائرين مالت إليها حاسبة أنها الطريقة الوحيدة لسعادة فرنسا ونعيمها ولكن لما تفاقم خطبها ورأت فظائعها وعلمت أن أحسن أهل وطنها يقتلون بها نفرت منها وجعلت همها تخليص الذين قد وقعوا في حبالها من الموت ، فسعت في نجاة العائلة الملكية وفرارها إلى بلاد الإنكليز ، ولكنها خابت مسعى فعمدت إلى تخليص غيرهم وكانت كلما خلصت شخصا لا تستريح حتى تخلص كل من يتعلق به من الأقرباء والأصدقاء وتخاطر بنفسها خلاص غيرها مخاطرة أعظم الناس بأسا ، واتفق أن الدول المتحالفة ضيقت على الحكومة الثورية سنة 1792 م فقال رجال هذه الحكومة لا نأمن على أنفسنا إن لم نقتل كل من له ضلع من الملكية في باريس فاستباحوهم قتلا ونهبا وكان لمدام روستايل أصدقاء كثيرون بينهم فخلصت بواسطتهم حياة كثيرين وبقي رجل اسمه رمونتسكيو فعزمت على أن تخرج به من باريس كخادم لها ، فلقيها الثائرون في الطريق فأنزلوها من مركبها كرها وذهبوا بها إلى زعيمهم ، فاخترقت الصفوف مرتجفة والسيوف والبنادق قد سدّت الآفاق من حولها ، ولو زلت قدمها لقتلت دوسا ، ولكنها ثبتت على ضعفها ست ساعات تسمع صراخ القتلى وأنين المعذبين حتى أطلق سبيله ، فخرجت من فرنسا فرحة بأنها قد لقيت ما لقيت فداء نفس خلصتها من الموت وكتبت كتابا بليغا في الدفاع عن الملكة ماري أنتوانت ولكنه لم يأت بالفائدة المقصودة ، فجزعت على قتلها جزعا شديدا . وفي سنة 1797 م عادت من سويسرا حيث كانت متوجهة إلى باريس فوقع الخلاف بينها وبين نابليون بونابارت لأنها أوجست منه السوء بعد تعرّفها به